اللغة العربية.. لغة الضّاد والقرآن

عرض لفترة محدودة تخفيض إضافي 5% طوال شهر يوليو

وَسِــعْــتُ كِــتَـابَ اللـهِ لَـفْـظًـا وَغَـايَـةً      وَمَــا ضِــقْــتُ عَــنْ آيٍ بِــهِ وَعِــظَــاتِ

فَـكَـيْـفَ أَضِـيـقُ الـيَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ        وَتَــنْــسِــيــقِ أَسْــمَــاءٍ لِــمُـخْـتَـرَعَـاتِ

أَنَـا الْـبَـحْـرُ فِـي أَحْـشَـائِـهِ الـدُّرُّ كَـامِنٌ         فَـهَـلْ سَـاءَلُـوا الـغَـوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي

هكذا عبّر حافظ إبراهيم عن اللغة العربية في قصيدته (اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها)، تلك اللغة التي يتحدث بها قرابة 300 مليون شخص، والتي تواجه الآن محاولات من أهلها أنفسهم للتخلي عنها!

دائمًا ما كانت اللغة هي هُوية كل شعب، ومفتاح قوة كل أمة. لذا، حريٌّ بنا أهل العربية أن نفطن إلى مظاهر قوَّتها وتميُّزها عن غيرها؛ لنزداد بها تمسكًا، ونعلم أنها أصل من أصول ثبات الدين، والحفاظ على وجودنا بين الأمم.

عندما أرسل الله أنبياءه، جعل لكل نبي معجزة، شيئًا ماديًّا ملموسًا يبهر الأنظار، ويحير الألباب. ولما جاء الوحي إلى رسولنا الكريم، جاء بمعجزة، ولكن المعجزة كانت كلامًا، وكان هذا الكلام بلغة القوم الذين نزل فيهم.. اللغة العربية الفصحى.

القرآن الكريم.. بلسان عربي مبين

نزل القرآن على العرب بالجزيرة العربية، وهم أهل فصاحة وبيان، يعقدون مسابقات، ويتبارون فيما بينهم بمن يجزل اللفظ، ويحسن الوصف. يمضون عامًا يتأكدون من خلوِّ قصيدتهم من أي عيب، فكيف بهؤلاء مع كلام عربي مبين؟

لعل هذه التوطئة كانت ضرورية ليفهم العرب اختلاف القرآن عن لغتهم التي برعوا بها، فمهما وصلت قوة الفصاحة، لم تصل إلى آية واحدة من القرآن؛ لأنه كلام الله. ولم يكن ليدرك هذا الاختلاف إلا عربي قويّ اللغة، متمكِّن من بحورها. ولقد تحدّاهم الله- عز وجل- أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فلم يفلحوا، وهم من هم على جاهليتهم وكفرهم، لم ينكروا قوة القرآن، حتى إنهم كانوا يمنعون الناس من الاستماع إليه؛ لأنهم يعلمون علم اليقين، ما لهذا النَّظْم من تأثير على القلوب. 

لماذا العربيّة؟ وما سر تميُّزها عن غيرها من اللغات؟

تتميّز اللغة العربيّة عن غيرها ببعض الميزات، نستعرض بعضًا منها هنا، مع عمل إسقاط على بعض آي القرآن ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. يقول الله عز وجل في محكم كتابه: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. (الزخرف: 3)

إذًا، فقد اختار الله أن يكون القرآن بالعربيّة “لعلكم تعقلون”.  ولعل ذلك كَوْن العربيّة أوفر اللغات مادة، وأفصحها لهجة، وأكثرها تصرفًا في الدلالة على أغراض المتكلم، وأوفرها ألفاظاً، وذلك هو ما ساعد في توصيل معاني القرآن بسهولة.

1- لا فائدة من الإعراب!

تتميز اللغة العربيّة بالإعراب، وهو تحريك آخر حرف بالكلمة. ولم يبق سوى العربيّة والألمانية اللتين تستعملانه من اللغات الحية القديمة. وقد يقول قائل: وما فائدته؟ والفائدة كبيرة بمعرفة المعاني، دون الحاجة إلى إسهاب وتوضيح.

كما في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. (البقرة: 124)

فمعلوم أن إبراهيم هو المفعول به المُقدَّم، وهذه الحركة قد تُبدل المعنى من الضِّد للضِّد. أخبرني إياها معلم اللغة العربيّة وأنا طفلة، فلو تبدَّلت الحركة على آخر الكلمتين (إبراهيم) و(ربه) لتبدَّل المعنى تمامًا.

وقوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}. (المائدة: 107) وهي آية معجزة في إعرابها، لبيان حكم الشهود على الوصية.

2- عن الجانب البلاغي

“اعلم أنّ شأن الإعجاز غريب، يُدرك ولا يمكن وصفه”. السكاكي

تلك اللغة غنية بصور بلاغية لا حصر لها مثل: المجاز، والاستعارة، والكناية، والتشبيه، والتَّعريض، والاشتراك، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك ممّا يوصل المعنى بأقصر طريق وألطف عبارة، وهذا هو الإعجاز بعينه. لننظر إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) فبتقديم الضمير بـ”إيّاك” إيجاز كبير، ودلالة على الحصر واقتصار العبودية والاستعانة عليه عز وجل. ولننظر إلى قوله: {وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}. (يوسف: 18) كيف اختُصرت المؤامرة بهذا السطر، ولو كانت لغة أخرى لاحتجنا إلى أسطر وأسطر. استخدام حرف الجر”على” يبين أن الدم وضع فوق القميص عمدًا، ووصف الدم بالكذب، كونه دم الشاة وليس دم يوسف (عليه السلام). وماذا عن جميل التشبيهات والاستعارات في قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} (التكوير: 18)؟

أي لغة قادرة على وصف اللحظات الأولى من اليوم بالتنفس؟! وأي لغة تجعل انتهاء الليل وبداية النهار كقوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} (يس: 37)؟!  كيف وصف الله- عز وجل- بداية الدعوة بالصَّدع؛ لأنها بالفعل أحدثت شقا بجاهليَّتهم، وملأتها نورًا؟ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. (الحجر: 94) وماذا عن الوصف بقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}. (الكهف: 77) وكأن الجدار له إرادة لينفذ مشيئة الله! وقد يطول بنا المقام هنا، ولا زلنا ننهل من قليل القليل.

3- لغة الضاد.. ما بين الصوت والمعنى هناك صلة

يبلغ عدد أصوات اللغة العربيّة 34 صوتًا، بعضها يتفق مع لغات أخرى. أما ما تفرَّدت به العربيّة عن غيرها فهو (الضاد)، ويعد من أصعب الأصوات نطقًا. وتتنوع تلك الأصوات ما بين أصوات ساكنة ومتحركة، وأصوات لينة. تستخدم اللغة العربيّة جهاز النطق على أتم وجه، فلا التباس في حرف من حروفها بين مخرجين، ولا في مخرج من مخارجها بين حرفين. وكل حرف يتآلف مع آخر، فيُحدث صوتًا يتوافق بطريق أو بآخر مع المعنى المراد.  انظر إلى قوله عز وجل: {واللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ}. (التكوير: 17)

والفرق في النطق بين الكلمتين “عسعس” و”تنفس”، ودلالته على المعنى المطلوب من قدوم الليل بظلامه، ثم انتهائه وانتشار النهار بضيائه. وانظر إلى التركيب البديع في قوله: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ}. (الشعراء: 94)

“كُبْكِبُوا” تعاقب الكاف والباء للدلالة على تكرار العذاب. وكم سمعنا عن أفراد لا يعلمون عن العربية شيئًا، وانجذبوا إليها فقط بسماع القرآن، والبحث عن المعنى بِناءً على الصوت. وإذا فتحنا الباب هنا للشعر العربي القديم فلن نغلقه أبدًا.

4- ثراء المعجم اللغوي

قد تتفق بعض اللغات مع العربيّة في ميزة من هذه المزايا السابقة، لكنها لا تجتمع كلها سوى في العربيّة. ساعد ذلك في ثراء المعجم اللغوي العربي ثراءً لا يوجد بسواه من اللغات، فقد حصر بعض العلماء كلمات العربية في ما يزيد على 12 مليون كلمة، وهو يعد 25 ضعفًا لكلمات اللغة الإنجليزية. وذكر بعضهم  للأسد خمسمائة اسم، وللحية مائتي اسم. وكل اسم يستخدم في سياقه بمعنى مختلف.

“الألفاظ لاتصالها الوثيق بالتفكير، كانت ولا زالت مجالًا هامًّا للدراسة الفلسفية، وهي لصلتها بالعقل والعاطفة، يتناولها أصحاب علم النفس، لكنها قبل هذا وذاك عنصر من عناصر اللغة” إبراهيم أنيس

فإذا قرأنا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} (الرعد: 21)، علمنا أن الخشية مرادفة للخوف، لكنهما مختلفين في الدرجة.

وكذلك الفرق بين الشُح والبُخل والضن. كذلك السقي والإسقاء: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}. (الإنسان: 21) {لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} (الجن: 16) وهذا الثراء جعل اللغة واسعة، وامتداداتها عظيمة، لتتسع من المعاني ما يفوق الحروف.

5- اللغة العربية لغة ثابتة لم تتغير 

يتعجب إرنست رينان في كتابه “تاريخ اللغات السامية”، من أن تلك اللغة وصلت إلى درجة الكمال، رغم نشأتها في الصحاري بين قوم رُحل، فلم تتغير مثل غيرها، ولم يُعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة.هذه اللغة باقية بهذه الكيفية على أقل تقدير منذ ألفي عام، وهذا دليل قوة مقارنةً بغيرها من اللغات الحاليَّة مثل الانجليزية، والتي هي خليط من لغات مختلفة اختفى بعضها تمامًا. وبقاء اللغة هو بقاء للهُويّة، وثبات لجذوعها وفروعها بجذور قوية شديدة العمق.

وختامًا، فقد كانت هذه محاولة بسيطة لإلقاء الضوء على ما يميّز لغتنا العربيّة على غيرها من اللغات. أسباب تميُّزها هذه، هي ما جعلتها باقية لآلاف الأعوام شامخة رصينة منمَّقة، تعبر عن المعنى عن طريق المبنى والصوت والتركيب، في إيجاز وبلاغة لا تضاهيها فيها لغة. وما عرضناه لم يكن سوى غيض من فيض ممّا حباها الله به من جمال وألق خاص، ويكفيها شرفًا أنها لغة كتاب الله، ولغة أهل الجنة.

مراجع:

  • دلالة الألفاط / إبراهيم أنيس.
  • الأصوات اللغوية /إبراهيم أنيس.
  • دلائل الإعجاز/ عبد القاهر الجرجاني.
  • وحي القلم/ الرافعي.
  • 100 سؤال عن اللغة العربية/ مركز الملك عبد الله.
  • مقال “مميزات اللغة العربية”_مؤسسة هنداوي.
  • شبهة حول نزول القرآن باللغة العربية_إسلام ويب.
  • مقال “نزول القرآن بأرقى اللغات وأشرفها”_شبكة الألوكة.
  • كتاب “العدوان على العربية عدوان على الإسلام”_عبد الرحمن رأفت الباشا.
  •  محاضرات برنامج  تاج الكرامة.